هذه عائلة الشريف!!! ابن الشريف!!!

 

كتب : د. أسامة فوزي

هذه صورة رجل تركي ينحدر من جدة يهودية تزوجها " محسن " وانجب منها ابنه " جدعون " الذي يعرف بين العرب باسم " عون " ومنه انحدرت الأسرة الهاشمية التي حكمت في العراق والأردن والحجاز ...واليهودي كما هو معروف ينسب إلى أمه ... فابن اليهودية حتى لو كان أبوه عربيا أو مسلما يعتبر وفقا للديانة اليهودية يهوديا ... هذا الرجل اسمه " حسين بن علي " ويلقب بالشريف لانه تولى الإشراف على الحجاز بتوصية من ضباط حزب الاتحاد والترقي التركي وأكثرهم من اليهود .

هذا الرجل هو الذي تقدمه كتب التاريخ في المدارس الأردنية على انه بطل " الثورة العربية الكبرى " ... فمن هو هذا الرجل ... وما حكاية هذه الثورة ؟

أنهيت تعليمي الثانوي في مدرسة أردنية تتبع قسم الثقافة العسكرية في الأردن اسمها " الثورة العربية الكبرى " وكنت الأول على جميع مدارس الثقافة العسكرية في المملكة في امتحانات التوجيهية " الثانوية العامة " ... و" الثورة العربية الكبرى " يقصد بها الحركة التي قام بها شريف مكة حسين بن علي ضد دولة الخلافة الإسلامية بالتواطؤ مع الإنجليز وبقدر ما كانت أجهزة الإعلام في الأردن تتغنى بهذه المناسبة وبطلها بقدر ما كان تجاهل سائر الدول العربية لهذه المناسبة يدهشني بل وتغص كتب التاريخ الصادرة في الدول العربية بالكثير من الاتهامات لحسين بن علي والتي تبدأ بتخوين الرجل وأولاده ... وتنتهي بتحميل ذريته مسئولية ضياع فلسطين .

خلال حرب الخليج أطلق الملك حسين لحيته ولقب نفسه بالشريف حسين تيمنا بجد أبيه وقيل يومها أن صدام حسين وعد الملك حسين بإخراج السعودية من الحجاز واعادة تسليمها إلى الملك حسين على اعتبار أن الملك عبد العزيز آل سعود هو الذي طرد الهاشميين من الحجاز وقضى على طموح جدهم الحسين بن علي الذي وعدته به إنجلترا وهو أن تقوم بتعيينه ملكا على العرب إن هو ساعدها في القضاء على الخلافة الإسلامية .

كان مصدرنا لما يسمى بالثورة العربية الكبرى في الأردن مجموعة كتب وكراسات وضعها رجل ارزقي اسمه سليمان الموسى ... ومن يقرأ كتب هذا الرجل عن الحسين بن علي يخالجه شك بأن المذكور كان نبيا أو مبعوثا من السماء وأن صفات الفروسية والنبالة التي يتسم بها تخرج عن طاقة البشر وتقترب من صفات الالهة فعلا .

لكن خروجي من الأردن ... واطلاعي على مراجع تاريخية عربية وأجنبية محترمة عن الثورة العربية الكبرى وبطلها الحسين بن علي ... وتصفحي لوثائق المخابرات البريطانية السرية التي افرج عنها والتي تتعلق بالمذكور أصابتني بالدهشة ... والحزن ... لان حجم التزوير في التاريخ الذي يدرس للطلبة في المدارس والجامعات والمعاهد الأردنية يعتبر بحق فضيحة إنسانية وبشرية يدفع ثمنها المواطن الأردني كل يوم .

فمن هو الشريف حسين بن علي وما حكايته وحكاية " ثورته العربية الكبرى " التي فلقونا بها في الأردن ؟ ولماذا تصوره كتب التاريخ الصادرة عن القصر الأردني بأنه قديس ومناضل وشريف وعروبي ... بينما نقرأ عنه في الكتب العربية والأجنبية انه كان تركيا مشبوه النسب من جد يهودي اسمه عون ونسجونجيا وعميلا للأتراك والإنجليز وقاتلا ... بل ويحملوه مسئولية القضاء على الخلافة الإسلامية ويحملوا أولاده من بعده بخاصة عبدالله مسئولية ضياع فلسطين وتقاسمها مع اليهود ؟

كان " عون " جد الأسرة الهاشمية الحاكمة في الأردن والعراق قد ولد لابيه " محسن " من أم يهودية ... وابناء اليهوديات يعتبروا وفقا للديانة اليهودية من اليهود لذا نشأ " عون " أو " يهوديا وكان يعرف بين اليهود باسم " جدعون " ... ويقال الشيء نفسه عن الملك حسين الذي رعته وربته أمه " زين " التي كانت تصطحبه إلى معابد اليهود في تركيا وبريطانيا ... والملكة " زين " هي التي اختارت لابنها زوجته الإنجليزية اليهودية " انطوانيت " ابنة العقيد " توني غاردنر " التي عرفت فيماا بعد باسم الأميرة منى والتي أنجبت للملك حسين أولاده عبدالله – الملك الحالي – وفيصل وعائشة وزين .

ولد حسين بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون في اسطمبول عام 1853 ميلادية وكان أبوه وجده آنذاك يقيمان تحت الإقامة الجبرية بقرار من السلطان عبد الحميد الذي اعتقل جده " عون " وكان أميرا على الحجاز بعد أن ثبت انه كان يقوم بسرقة قوافل الحج والاعتداء على النساء وفرض الإتاوات على أهل الحجاز وتحويل مكة المكرمة إلى وكر للدعارة ... وقد وجه السلطان عبد الحميد جيشا جرارا إلى الحجاز قام بمطاردة عون وعصابته وتم إلقاء القبض على عون وتسفيره إلى اسطمبول وظل حسين بن علي تحت الإقامة الجبرية في تركيا لمدة 16 سنة ولم يخرج منها إلا بعد الانقلاب العسكري الذي قادته مجموعة من العسكر في تركيا أكثرهم من اليهود عرفت باسم " حزب الاتحاد والترقي " .

قام السلطان عبد الحميد بتعيين الشريف عبدالاله بن محمد أميرا لمكة وكان الرجل معروفا بتقواه وورعه ولكن هذا ما لبث أن توفي بسبب تقدمه في السن فلما شغر المنصب قام العسكر بتعيين حسين بن علي أميرا على مكة رغم انف السلطان عبد الحميد فسافر الحسين مع أولاده الثلاثة فيصل وعبدالله وعلي عن طريق البحر إلى جدة ووصلها عام 1908 وكان في استقباله عدد من العسكر من أعضاء حزب الاتحاد والترقي إلى جانب والي الحجاز المشير كاظم باشا .

كان السلطان عبد الحميد الذي رضخ لضغوطات العسكر قد قسم السلطة في الحجاز إلى قسمين ... سلطة دينية رمزية روحية وهذه سلمها لحسين بن علي ... بينما سلم السلطة الأمنية والعسكرية لوالي الحجاز وهو المشير كاظم باشا ... وكان السلطان يهدف من ذلك إلى محاصرة حسين بن علي وأولاده ومنعه من العودة إلى سيرة جده " عون " في اغتصاب حقوق الناس وسرقتهم وابتزازهم والإغارة على قوافل الحجيج وسبي النساء .

كانت سيرة حسين بن علي الأخلاقية السيئة على كل لسان فقد كان الرجل يقيم علاقة آثمة مع " أسماء " أخت زوجته ولما اكتشفت زوجته " عبدية " هذه العلاقة ماتت من القهر وعمرها لا يزيد عن 27 عاما بعد أن أنجبت له أولاده الثلاثة عبدالله الذي اصبح ملكا على الأردن وفيصل الذي اصبح ملكا على العراق وعلي الذي اصبح ملكا على الحجاز .... وقبل مرور أربعين يوما على وفاة زوجته أراد حسين بن علي ان يحول علاقته غير الشرعية بأسماء إلى علاقة شرعية وذلك بالزواج منها إلا انه جوبه برفض الشريف علي بن عبدالله " أخوها " الموافقة على هذا الزواج بخاصة وان حسين بن علي كان يتخذ من إحدى الشركسيات واسمها " مديحة " عشيقة له انجب منها فيما بعد ابنته " صالحة " التي ماتت في الأردن عام 1994 وزعم حسين بن علي بعد ذلك أن مديحة كانت جارية عنده وان له الحق في معاشرتها لأنها مما ملكت يمينه .

بعد ذلك دخلت إلى قصره نورية اسمها " عديلة " عاشرها أيضا معاشرة الأزواج وانجب منها أولاده زيد وفاطمة وسرة ... أما زيد فقد عمل سفيرا للعراق في برلين وهو زوج الأميرة التركية فخر النساء التي تولت مناصب هامة في الأردن رغم أنها لم تكن تتحدث العربية وقد سرقها زيد من زوجها وهو أديب تركي معروف وانجبت لزيد ابنه رعد وزير البلاط الأردني الذي يطالب هذه الأيام له ولابنه فراس وحفيده مرعد بعرش العراق .

عاد حسين بن علي في مكة إلى سيرة جده " عون " أو " جدعون " من قطع الطرق والإغارة على قوافل الحجيج ... وكان حسين بن علي يهدف من هذه الأعمال إلى إحراج والي الحجاز المسئول عن الأمن المشير كاظم باشا واقناع السلطان أن الأمن في الحجاز لن ينصلح حاله إلا إذا جمع حسين بن علي بين المنصبين ... الديني والعسكري لكن المشير كاظم الذي ألقى القبض على بعض قطاع الطرق وقام بتسفيرهم إلى السلطان استطاع أن يثبت للسلطان أن حسين بن علي وأولاده هم الذين يديرون عمليات الإغارة والقتل والسرقة التي تتعرض لها قوافل الحجيج .

كانت القوات العسكرية في الحجاز تتبع الوالي المشير كاظم باشا ولم يكن لحسين بن علي سيطرة إلا على مفرزة حراسة تتبعه وتقبض مرتباتها من الوالي ... لكن حسين بن علي نجح في إنشاء ميليشيا أو مافيا من البدو كان يقوم بتقاسم غنائم السرقة وقطع الطرق معها ... وقد وسعت مافيا حسين بن علي من غزواتها التي لم تعد تقتصر على قوافل الحجيج وانما امتدت لتشمل قبائل عربية تعيش قرب مكة والمدينة حيث هاجمت هذه العصابات وبإشراف وقيادة عبدالله وفيصل مضارب عشائر بني الحارث قرب الطائف ... ثم اعتدى على عشيرة مطير فقتل رجالها وسبى نسائها وصادر ماشيتها وحرق خيمها فلجأت فلول هذه القبيلة وتلك إلى مضارب أمير نجد عبد العزيز آل سعود طالبة النجدة .

كان لامير نجد نفوذ كبير بين القبائل وكان يحظى باحترام كبير لانه كان ضد الغرباء مهما كانت جنساتهم وله الفضل في حماية الحجاز من الغزوات الأجنبية ... كما كان لامير نجد تحفظاته على الوجود التركي في الحجاز ممثلا بضباط الاتحاد والترقي المشتبه انهم من اليهود وممثلهم حسين بن علي ... لذا بدأ الطرفان يحشدان قواتهما لحسم الصراع .

بدأ حسين بن علي يستميل العشائر المحيطة بنجد من خلال الرشوة فانضمت إليه قبيلة عتبة ... بينما اقنع ضباط الاتحاد والترقي السلطان عبد الحميد بتحريك قوات تركية نظامية لاحتلال نجد ... والتقى الجيشان على مشارف قبيلة الدواسر حيث دارت معركة غير متكافئة وقع على أثرها سعد شقيق عبد العزيز آل سعود أسيرا في يد الأتراك .

وخلال توغل حسن بن علي في أراضى نجد اصطدم بمحمد علي الادريسي أمير عسير الذي أعلن العصيان على الدولة العثمانية ... واجتاحت القوات العثمانية وقوات البادية وميليشيا حسين بن علي أراضى عسير وارتكبوا فيها مذابح جماعية حيث استباحوا مدينة ابها فقتلوا كل الرجال فيها وسبوا النساء والأطفال ودفنوا المسلحين أحياء في آبار المدينة ... وقد وفر له أخوه " ناصر " الذي كان آنذاك يقيم في اسطمبول بصفته عضو مجلس الأعيان وكان مقربا من كبار ضباط الاتحاد والترقي الغطاء السياسي لدى السلطان ... وكلف حسين بن علي رسميا بالقضاء على الأمراء العرب في المنطق وبسط النفوذ التركي على الجزيرة العربية كلها وكان هذا يقتضي القضاء على إمارة اليمن التي يتزعمها الإمام يحي حميد الدين ... وامارة عسير التي يتزعمها السيد الادريسي ... وامارة نجد بزعامة الأمير عبد العزيز ال سعود وامارة شمر بزعامة الأمير سعود بن الرشيد .

هذه الإغارات والاعتداءات التي قامت بها القوات التركية بإشراف حسين بن علي على القبائل العربية والتي انتهت بقتل الرجال واغتصاب النساء وسبيهم واسر الأطفال حولت قصور حسين بن علي واولاده إلى معتقلات كبيرة للنساء و " الاغوات " ... والاغوات هم الأسرى الذين يتم خصيهم وتشغيلهم في قصور الحكام ... ووفقا لما ذكرته الأميرة بديعة ابنة الملك علي ابن الشريف حسين بن علي في مذكراتها التي نشرتها مؤخرا في لندن فان قصور جده حسين بن عليا واعمامها كانت تغص بالاغوات " الخصيان " وكانت مهمتهم رعاية النساء !!

عمالة حسين بن علي واولاده للأتراك وبالتحديد للضباط اليهود في حزب الاتحاد والترقي تمخضت عن مذابح كبيرة ارتكبها الشريف واولاده في الحجاز وهي المذابح التي ولدت عداء كبيرا للشريف واولاده في أوساط الحجازيين وانتهت بتوحد الحجازيين وراء أميرهم عبد العزيز آل سعود الذي تمكن من طرد الشريف واولاده من الحجاز وتوحيد القبائل تحت إمرته واعلان قيام الدولة السعودية .

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى انضم الأتراك ومعهم حسين بن علي واولاده لألمانيا ... ووجه حسين بن علي ابنه البكر علي على رأس قوة هدفها دخول فلسطين للانضمام إلى القوات التركية فيها التي تخطط لمهاجمة الإنجليز في مصر ... وفتح حسين بن علي خلال هذه الفترة خطا سريا مع الإنجليز وبدأ يلعب على الحبلين ... فهو ظاهريا مع الأتراك ممثلا بفرقة يقودها ابنه البكر ... وهو عمليا مع الإنجليز بناء على اتفاق سري أجراه حسين بن علي مع ممثل بريطانيا في مصر السير هنري مكماهون ... وتمخضت هذه الاتصالات السرية على تخصيص رشاوى نقدية لحسين بن علي كان يتسلمها من الإنجليز ابنه الأصغر زيد ووعد من الإنجليز بتعيين الشريف حسين ملكا على كل العرب إن هو غدر بتركيا وساعد في إسقاط دولة الخلافة .

هذه الاتفاقات أو الاتصالات السرية مع الإنجليز هي التي تمخضت عنها فيما بعد الحدود المصطنعة للدول العربية وطارت بموجبها ولايات اضنة واسكندرون التي اعترف حسين بن علي بأنها ولايات تركية وليست سورية ... وكان الشريف الغبي يعتقد أن بريطانيا ستفي بوعودها في الوقت الذي كانت فيه وزارة المستعمرات البريطانية تنجر خوازيق لحسين بن علي ... وللعرب كافة بالاتفاق مع فرنسا .

خلال مفاوضات واتصالات الشريف حسين مع الإنجليز نفذ ابنه فيصل والحاكم التركي لبلاد الشام جمال باشا مجزرة في أوساط الوطنيين العرب حين نصب لهم في دمشق وبيروت المشانق ... وكان حسين بن علي يهدف من خلال هذه المجازر القضاء على القيادات العربية والوطنية التي يمكن أن تعترض على طموحاته وطموحات واطماع أولاده ... فتم شنق الزعماء عبد الكريم خليل وصالح حيدر ومحمد المحمصاني وسليم عبد الهادي وعبد الحميد الزهراوي وشفيق مؤيد العظم وشكري العسلي وعبد الغني العريسي واحمد طبارة والعقيد سليم الجزائري والعقيد امين لطفي الحافظ ورفيق رزق سلوم وعارف الشهابي والدكتور علي النشاشيبي وغيرهم من الزعماء العرب .

الطريف أن عمالة الشريف حسين للإنجليز فرخت ثلاثة جيوش من البدو والمرتزقة يقودها ضباط إنجليز ... والجيوش الثلاثة تحولت فيما بعد إلى قوات غزو للأردن وسوريا والعراق ليس لمحاربة الإنجليز أو الأتراك أو الفرنسيين وانما لمحاربة الحكومات العربية المحلية والقيادات الوطنية في هذه البلاد ... فدخل عبدالله مدينة معان على رأس ما عرف باسم الجيش الشرقي واسس هناك بالتعاون مع الإنجليز إمارة شرق الأردن وارتكب مجزرة بحق قبيلة العدوان حين طلب من الإنجليز قصف مضارب القبيلة من الجو ردا على تهديدات زعيمها الشيخ ماجد العدوان بطرد عبدالله من الأردن .... ودخل فيصل على رأس قواته إلى العراق ليقيم مملكة فيها بزعامته بينما أعلن ابنه البكر علي نفسه ملكا على الحجاز .

والأطرف من هذا أن عبد العزيز بن سعود الذي احتل الحجاز وطرد حسين بن علي منها ووضع حدا للنفوذ الإنجليزي في المنطقة كان يتحسب لهجوم مضاد قد يشنه حسين بن علي من شرق الأردن بعد أن لجأ إلى هناك حيث يقيم ابنه عبدالله ... لكن عبد العزيز كان اكثر دهشة من حسين بن علي نفسه لان الابن " عبدالله " رفض استقبال والده " ملك العرب " في الأردن " خوفا من منافسته له في حكم الإمارة فقام بطرده إلى قبرص حيث مات فيها مقهورا من جحود أولاده ... ومن غدر الإنجليز به رغم الخدمات الجليلة التي قدمها لهم ورغم مساعدته لهم في إسقاط دولة الخلافة الإسلامية .

هذا ملخص تاريخي سريع لما يسمى بالثورة العربية الكبرى ورئيسها " الشريف حسين بن علي " ... ولقب " الشريف " لا علاقة له بالشرف وانما هو لقب كان يطلق على الشخص الذي يتولى إمارة الحجاز ... تماما مثل لقب مشير وباشا وبيك ... وقد رأينا كيف أن ممارسات هذا الرجل واولاده الأخلاقية والدينية عدا عن ممارساتهم في قصورهم التي تغص بالنساء والخصيان لا علاقة لها بالشرف ولا الشرفاء ... وهي بعيدة كل البعد عن الدين الإسلامي .

ولكن يبقى السؤال الأهم : لماذا قررت بريطانيا إقامة دولة شرق الأردن وتسليمها لعبدالله ابن حسين بن علي ... وكيف دخل عبدالله الأردن وكيف نصب نفسه أميرا ثم ملكا وما هو الدور الذي لعبه في اضطهاد الأردنيين ... ثم كيف تقاسم فلسطين مع اليهود ؟

هذا سيكون موضوعنا في حلقة قادمة ... فانتظروها .

هذا خال الشريف!!!

لا ادري اذا كان الملك عبدالله الثاني قد رأى هذه الصورة من قبل ... هذه الصورة للامير عبد الاله ابن الملك علي وعلى ظهره الملك فيصل الثاني والاثنان من ابناء عمومة الملك عبدالله الثاني وقد قتل الاثنان وسحلت جثة الامير في شوارع بغداد قبل ولادة الملك عبدالله باربع سنوات ... واختياري لهذه الصورة الان يعود الى عبارة قرأتها في كتاب " مهنتي كملك " وهو كتاب او مذكرات الملك حسين ... ففي هذا الكتاب يصف الملك حسين عملية اغتيال جده الملك عبدالله في القدس ويصف الملك الكيفية التي هرب فيها مرافقو وحراس جده الملك بدل ان يهبوا لحماية ملكهم ... يقول الملك حسين : " كنت اسير خلف جدي باتجاه خفيف الى اليمين لقد تبادل بعض الكلمات في الطريق ثم انتصب باب المسجد امامنا تماما ... قدم حرس الشرف التحية العسكرية ... وعندما دخل جدي المسجد استدار نحو قائد الحرس وساله عما اذا كان لا يعتقد بأن المراسم العسكرية غير مناشبة في مكان مقدس وتقدم نحو الباب وما كاد يخطو خطوات حتى ظهر رجل وراء الباب الكبير الى اليمين ... لم يكن في حالة طبيعية وكان يمسك بسلاح وقبل ان يستطيع احد ان يبدي اية مقاومة اطلق النار ... لم يره جدي ابدا .. وكان على بعد مترين من القاتل فأصيب برأسه فانهار على الارض وقد انتشرت عمامته ... لم اتبين فورا ما قد حدث خلال لحظة كانت تبدو دخرا كاملا ... بقي القاتل جامدا غير قادر على الحركة ... وفجأة استدار الرجل وفر هاربا فانطلقت في اثره في داحل المسجد وفي الوقت الذي انطلق مسرعا رايت من طرف عيني كل اصدقاء جدي يهربون في كل اتجاه ... انني ما زلت اراهم ... هؤلاء الكبراء واعيان الدولة وهم يخفون وجوههم ويفرون كانهم العجائز المذعورات ... ان هذه الصورة سوف تبقى محفورة الى الابد في ذاكرتي اكثر من صورة القاتل لانها الى حد كبير البرهان الاكيد الدائم على ضعف الولاء السياسي وسرعة زواله ."

انتهت رواية الملك حسين ... وفيها لا يصف عملية الاغتيال فقط بل يصف كيف فر المقربون من الملك وتركوه جثة ملقاة على الارض .

عندما جاء عبد السلام المجالي الى هيوستون ساله الشباب امامي : ما هي اخبار البلد يا باشا .. فقال ساخرا : البلد بيحكمها اولاد .
ترى ... لو تعرض الملك عبدالله الى محاولة اغتيال وبقربه عبد السلام المجالي مثلا ... فهل سيهب المجالي لحماية الملك وكيف يفعلها وهو ينهش في لحم الملك ويسخر منه في زياراته الى الخارج .
سبق وقلت للملك عبدالله ان الكبار من برامكة وتجار وضباط مخابرات في الاردن ممن يضربون بسيفه سيغادرون مركبته بعد اول حادث يتعرض له الملك ... وكلنا امل ان يعي الملك هذا الدرس ... ولعل قراءة ما حدث في قصر الرحاب لابناء عمومته يدعوه الى التيقظ والى الفهم والادراك بأن العاصفة عندما تهب لا تترك اثرا لاحد وسيكون الهاربون من حول الملك اكثر من الذين لحسوا احذيته في سالف العصر والاوان .

هذه الرواية لما حدث في قصر الرحاب وردت في كتاب صديقي الدكتور فالح حنظل ... فقد كان فالح حنظل في عام 1958 ملازما في القصر الملكي في بغداد " قصر الرحاب " وقد شهد عملية ابادة وسحل العائلة المالكة في صبيحة الرابع عشر من تموز ... وقد وصف فالح حنظل ما حدث انذاك في كتابه " اسرار مقتل العائلة المالكة في العراق " فبعد ان يصف فالح حنظل عملية هجوم الضباط والشعب على القصر والطلب الى الملك وخاله الخروج الى باحة القصر .. زبدأت المجزرة ...يقول فالح حنظل : 
قبل الساعة الثامنة بقليل..فتح باب المطبخ .. وخرج منه الملك وامارات الرعب قد تجمدت على وجهه من هول الموقف.. وبدا مرتديا ثوبا ذا كمين قصيرين وبنطالا رمادي اللون, وينتعل حذاءا خفيفا .. وخلفه سار الامير عبدالاله مرتديا ثوبا وبنطالا كذلك, وقد وضع يده اليسرى في جيب بنطاله اما يده اليمنى فكانت ترفع منديلا ابيض.
وزاحمت الملكة نفيسة ولدها الامير عبد الاله على درج المطبخ, ووقفت وراء الملك ورفعت القران عاليا بيدها فوق رأسه وهي تصر باسنانها على اطراف الشرشف الذي يستر جسمها, وخلفها سارت الاميرة عابدية وهي تنتحب وتولول, ثم الاميرة هيام, ثم احدى خادمات القصر المسماة رازقية, والطباخ التركي وخادم اخر .. واثنان من جنود الحرس تركا بندقيتيهما في المطبخ.
خرج الجميع يتقدمهم المقدم محمد الشيخ لطيف.. والملازم اول ثامر خالد الحمدان.. وكان يقف في نهاية الرتل النقيب ثابت يونس.
وفي الباب كان العقيد طه ما زال يحاول ان يهدئ من سورة هيجان الضباط, وخاصة النقيب مصطفى عبدالله الذي كان يرفع عقيرته بالصراخ. "اخرجوا ايها السفلة .. ايها الخونة.. ايها العبيد", وخرج الجمع كله ليواجه نصف حلقة من الضباط وهم كل من:
النقيب مصطفى عبد الله, النقيب سامي مجيد, النقيب عبد الله الحديثي, النقيب منذر سليم, النقيب حميد السراج, الملازم اول عبد الكريم رفعت, وعدد اخر من الملازمين والمراتب.
ويقف خلف هؤلاء الضباط عدد اخر من الضباط والجنود, وقد انتشروا في الحديقة وخلف الاشجار.. والى خلف هؤلاء من اليمين واليسار كانت الجموع الغفيرة من العساكر والناس تقف متفرجة.
خرج الملك فيصل وسرعان ما رفع يده بالتحية العسكرية للضباط الموجودين امامه .. واغتصب ابتسامة رقيقة تراقصت على شفتيه, وظهرت خلفه جدته وهي تحاول ان تجعل الجمع كله يشاهد القران بيدها.. وبعدها سار عبد الاله .. وهو يتمتم ببضع كلمات غير مسموعة .. ووجهه يكاد يكون ابيض .. وزوى ما بين حاجبيه, وهو يرى لاول مرة الضباط شاهرين رشاشاتهم بوجهه, وتلفت يمنة ويسرة .. ليتطلع الى بقية العساكر المنتشرين في الحديقة .. ثم لم يلبث ان استدار الى الخلف ليطمئن على زوجته واخته اللتين جفت الدموع في مآقيهما ولم تعودا تعرفان ماذا تقولان او تفعلان .. وارتفع همس الملكة العجوز وهي تحاول ان تردد بعض الايات من القرآن الكريم.
وتقدم النقيب مصطفى عبد الله .. وصرخ فيهم ان يجتازوا ممرا من الشجيرات ينتهي الى باحة خضراء صغيرة.. جنب شجرة توت ضخمة وسط الحديقة, وقد تعلق بها نسناس صغير مربوط من رقبته بسلسلة معدنية .. فاجتاز الجمع الممر .. ووقفوا بشكل نسق يتطلعون الى افواه رشاشات الضباط الموجهة نحوهم.
وفي هذه الاثناء كان النقيب عبد الستار سبع العبوسي داخل قصر الرحاب .. فترك القصر ونزل هابطا الدرجات الامامية ورشاشته بيده.. واستدار الى اليمين فشاهد الاسرة المالكة كلها تسير في صف تاركة باب المطبخ.. وبعد اقل من نصف دقيقة كان النقيب العبوسي يقف خلف العائلة المالكة تماما, ويفصله عنهم خط شجيرات صغيرة على الارض.
وبلمح البصر فتح نيران رشاشته من الخلف مستديرا من اليمين الى اليسار .. فاصابت اطلاقات غدارته الثمانية والعشرون طلقة ظهر الامير عبد الاله.. ورأس ورقبة الملك وظهري الملكة والاميرة عابدية.. ثم لم يلبث ان فتح مصطفى عبد الله نيرانه من الامام على البشر الموجودين امامه, وفتح بقية الضباط المشكلين نصف حلقة نيران رشاشاتهم, وجاءت النيران من الامام ومن الخلف ومن الجانب.. من كل يد تحمل سلاحا في تلك اللحظة..!! اصيب الملك بعدة طلقات فتحت جمجمته وسقط في احضان الاميرة هيام التي تهاوت ارضا, وقد اصيبت في فخذها, وسقط عبد الاله قتيلا وانصبت عليه نيران اكثر من فوهة نارية, وهو يتمرغ قتيلا على الارض.. ونالت الاميرة عابدية والملكة نفيسة حظهما من رصاص المهاجمين .. فتمرغتا بالارض وهما تلفظان انفاسهما الاخيرة.. واصيب جندي الحرس محمد فقي بعدة طلقات نارية صرعته فورا.. وجرحت الخادمة رازقية .. وقتل الطباخ التركي, وقتل احد الخدم في نفس البقعة ايضا.
واصيب النقيب ثابت يونس بطلقة نارية اخترقت رئته اليمنى ونفذت, فهرب الى جهة اليمين ومعه ضابطا صف من الانضباط الخاص, وسرعان ما واجهتهم اعداد المسلحين المختفين وراء القصر واجبروهم على التسليم.. اما المقدم محمد الشيخ لطيف فقد قفز جانبا حائدا عن مهمر الرصاص, واستطاع الملازم اول ثامر الحمدان ان يلقي بنفسه بين الشجيرات, ويزحف ارضا الى ضفاف نهر الخر ويندس هناك بين جموع المهاجمين ويختفي دون ان يعرفه احد.
واثار منظر الدماء واصوات الطلقات النارية جنون ضابط المدرعة, ففتح نيران رشاشته الثقيلة على الاجسام الملقاة ارضا.. فحرثها حرثا وحاول الطفل جعفر اليتيم الذي كانت تربيه الاميرة عابدية ان يهرب الى زاوية من زوايا القصر, الا انه سرعان ما عاجله الجنود برصاص بنادقهم فاردوه قتيلا.
وعلى اثر هذا الرصاص المتناثر يمنة ويسرة اصيب النقيب مصطفى عبدالله بطلقة نارية بصدره, وسقط ارضا والدم ينزف من جرحه, وتهاوى بين الشجيرات النقيب حميد السراج, وقد اصابته طلقة نارية في كعب قدمه.. وسقط ضابط صف برتية رئيس عرفاء قتيلا من المهاجمين, اما الاميرة هيام فقد تمكنت من الزحف الى ركن امين وتقدم منها ضابط وحملها بيده حيث اخفاها في غرفة حرس الباب النظامي, والدماء تسيل من فخذها.
ثم كفت الاطلاقات النارية.. وكانت الجثث الميتة ملقاة ارضا.
وتصايح الضباط, كل يريد ان يعطي فكرة او طريقة للتخلص من الجثث, وسرعان ما جلبت سيارات نقل على اثرها الضابطان الجريحان من المهاجمين الى المستشفى.
وفجأة سمع المتجمهرون اطلاقة نارية تاتي من الخلف من بين الاشجار العالية المحيطة بالقصر.. لاتمام عملية التطهير, ولعلع من جديد رصاص الرشاشات شاقا السكون الذي ساد المكان اثر عملية القتل.. كأنما هو صرخات الموت الختامية وحشرجته في قصر الرحاب.
ثم جلبت سيارة من نوع بيك اب (فان) تابعة للقصر كانت تستعمل للمشتريات اليومية, ورفعوا جثة الملك.. وانزلوها في السيارة.. ووضعت الجثة على جنبها الايمن مما جعل اليد اليسرى تتدلى خارج الباب.. ثم سحبت الجثة من يدها الى الداخل.
ثم حملت جثث النساء.. فجثة عبد الاله.. وبقية القتلى.. والى هنا كانت جماهير الناس في الشارع قد دخلت حدائق القصر وانتشرت فيها.. وشاهد بعضهم الجثث, وهي تنقل الى السيارة (الفان) , وتحركت السيارة نحو الطريق الخاص للقصر.. وهجم شاب ضخم الجثة يحمل بيده خنجرا, وانهال بطعنتين على جثة عبد الاله.
وجيئ بسيارة ثانية نقلت النقيب ثابت يونس المرافق العسكري الذي بدت عليه علامات الضعف والوهن الى المستشفى العسكري.. حيث لفظ انفاسه الاخيرة هناك.
اما الاميرة هيام والخادمة رازقية فقد نقلتا الى المستشفى الحكومي الملكي حيث اعطيتا العلاج اللازم وتم انقاذ حياتهما.
وعندما خرجت السيارة التي كانت تقل القتلى.. وقفت باب ثكنة الرحاب حيث اعيد رفع جثتي الامير والملك, ووضعتا في سيارة جيب عسكرية ركب معها ضابطان.
اما سيارة البيك اب فقد توجهت بسرعة الى دائرة الطب العدلي في المستشفى المدني حيث ووريت جثث النساء في حفرة مقبرة قريبة.
كانت السيارة التي تقل جثتي الملك والامير.. تحاول ان تسير مسرعة وسط الزحام الشديد في الشارع, وحاول الضباط الا يعرف احد بان سيارتهم تقل جثتين, الا انه سرعان ما فطنت الحشود الهائلة التي راحت تركض وراء السيارة, وقد شهرت المسدسات والخناجر والهراوات, وكانت اعداد من الجنود قد وقفت على جوانب الطريق المكتظ, وهم يطلقون نيران بنادقهم ابتهاجا.
وفي قصر الرحاب.. هجمت جموع المدنيين الى داخل القصر المحترق.. وباشرت عمليات السلب والنهب في سباق مع اللهيب والنيران الاكلة.. واستمرت عمليات النهب يومين متتاليين على مرأى ومسمع من الضباط الذين كانوا في الحراسة هناك.
وتمت سرقة دار السيد عبد الجبار محمود زوج عمة فيصل بتسهيل من احد ضباط كتيبة الهاشمي من الحرس الملكي, وتم تهشيم وحرق سيارة الملازم اول ثامر خالد الحمدان التي كانت تقف امام باب القصر.. وشاهدت جموع الغوغاء جثة الطباخ التركي ملقاة في الحديقة فوضعت الحبال في رقبته.. وسحل الى الطريق العام, والقيت الجثة امام باب معسكر الوشاش حيث صبت عليها قوارير البترول من السيارات الواقفة جنب الطريق واشعلت فيها النار وتركت هناك.
وكانت الجماهير خارج القصر قد هاجمت سيارة مدنية يركب بها شاب اجنبي وانهالوا عليه ضربا وهشموا وجهه ورأسه وهويبكي ويصرخ متوسلا.. انه لا ذنب له ولا يعرف عن الموضوع شيئا.
سارت السيارة التي تقل الجثتين, تتبعها الحشود التي اخذت تنشد اهازيج الحماسة الشعبية.. وحالما وصلت السيارة الى النقطة المواجهة لمبنى المحطة العالمية التف حولها اعداد اخرى من الناس والكل يريد ان يلقي نظرة على الاموات.
وازاء الضغط المخيف للحشود المتلاطمة من المسلحين المحيطين بالسيارة من كل جنب.. قام احد الضباط برفع جثة الامير من قدمه.. وسلم القدم الى اقرب الموجودين اليه.. وسحبت الجثة من السيارة والقيت ارضا.
سقطت الجثة على ظهرها والدماء تلطخ القميص الابيض الذي كان يرتديه عبد الاله.. وسرعان ما انهالت عليها الركلات بالاقدام .. وتناثر رشاش البصاق من افواه المحيطين بها عليه.
انتهز الضابطان انشغال الغوغاء بجثة الامير .. فاطلقا العنان لسيارتهما التي تحمل جثة فيصل.. وعبروا بها شوارع بغداد دون ان يشعر بهم احد.. وتوجهوا الى وزارة الدفاع.. حيث امروا بالتوجه بها نحو مستشفى الرشيد العسكري.
وفي المستشفى نقلت الجثة الى احدى غرف العمليات.. وسجي الجثمان على احدى طاولات العمليات..حيث قدم عدد من الضباط الاطباء وغيرهم.. ليلقوا نظرة على وجه فيصل, وفتح احد الاطباء جفني العين التي بدت جامدة لا حياة فيها.. وسأله ضابطان برتبة نقيب وصلا لتوهما من وزارة الدفاع.. عما اذا كان الملك حيا ..ام ميتا..فاجابهم انهم ميت.
ولم تستطع الممرضات الموجودات في الغرفة ان يغالبن دموعهن وهن يتطلعن الى وجه فيصل .. وقد خضبت الدماء محياه وشعر رأسه وتركن الغرفة الى الخارج وهن ينشجن.
وفي مساء اليوم نفسه حفرت حفرة قريبة من المستشفى في معسكر الرشيد.. وانزلت فيها الجثة واهيل عليها التراب.. ووضعت بعض العلامات الفارقة معها لتدل على مكانها فيما بعد.. واستمر التراب يغطي الجثة.. حتى تساوى مع الارض ودك بالاقدام.. ولم تعد ثمة علامة في الارض تدل على مكانها ولا يعرفها الا الضباط الذين دفنوا ورفعوا بها تقريرا رسميا الى المسؤولين في وزارة الدفاع.
اما جثة الامير عبد الاله.. فسرعان ما انقضت الايادي على ملابسه وخلعتها.. حتى عري الجسد الذي بدا اصفر مائلا للبياض من كثرة ما نزف من دماء.
وتصايحت الجماهير.. اجلبوا الحبال.. وبسرعة جلبت الحبال من الاكواخ المجاورة واللوريات الواقفة وربطت الجثة بحبلين واحد من الرقبة.. ومرر الاخر من تحت الابطين.. وامسك بطرفي الحبل بعض الشبان وباشروا المسير.. والجثة العارية تسحل من ورائهم على الارض.
وكلما تقدم موكب القتيل المسحول من قلب مدينة بغداد صادفتهم الجماهير الهائجة القادمة لتلقي نظرة او ضربة او طعنة في الميت.
وما ان وصلت الجثة الى قلب منطقة الكرخ وفي اكبر شوارعها الا وكانت حشود بغداد الرصافة تحاول ان تعبر جسر المأمون الذي غص بمن فيه, وكذلك الشارع واصبح من المتعذر المرور والسير فيه.
وجلبت الحبال الغليظة.. وربطت بشرفة فندق الكرخ.. وبعد دقائق كانت جثة الامير ترتفع معلقة في الهواء. فصعد اليها حملة السكاكين والسواطير فبتر الذكر وفصلت الرجلان من الركبتين, وقطع الكفان من الرسغين, والقيت الى مجموعات من الفتيان والشبان الذين سرعان ما تلاقفوها..وانطلقوا مهرولين بالاجزاء المبتورة عبر الشوارع والازقة متجهين نحو الرصافة.. في صخب ولعب وضحك .. كأنهم في ساحة كرة القدم, وتقدم شاب في مقتبل العمر من الجثة المعلقة.. عرف فيما بعد انه ابن احد القواد العسكريين الذين اعدموا بعد حوادث 1941 وناولته الجماهير مسدسا ليطلق منه النار على الميت .. الا انه امتنع عن القيام بعمل كهذا.
وبقيت الجثة معلقة في مكانها زهاء العشرين دقيقة..وتعالت الصرخات.. انزلوها ولنكمل سحلها في الشوارع, وانزلت الجثة.. وبوشر بالسحل ثانية, وعبروا بها جسر المأمون متجهين نحو شارع الرشيد الذي كان يغص بالناس وبالمتفرجين من الشرفات والنوافذ. وفي شارع الرشيد اصبحت الجثة هذفا للحجارة.. وبدت طلائع الموكب الوحشي المرعب وهي تسير على لحن نشيد الله اكبر.. الذي كان يملأ الاسماع من الراديوات المنتشرة في مقاهي واماكن الشارع.
كان الوجه قد تهشم تماما, وقد مر احد الحبال من بين الاسنان وشق الفم والوجنة اليمنى, وانكسر الفك وتدلى على جانب الوجه, وارتفع والوجنة الاعلى فبانت الاسنان البيضاء في الوجه المشقوق, وبدت العينان مفتوحتين وهما تنظران نظرة الميت الجامدة.. ولم يبق من ملامح عبد الاله الا الجبين الواسع وبعض الشعر الاسود الذي تعفر بتراب الشارع.
وبالقرب من وزارة الدفاع.. كانت جمهرة الساحلين اربعة فتيان.. لا يتجاوز عمر الواحد منهم الخمسة عشر عاما, يبدو عليهم كأنهم تلاميذ مدرسة متوسطة, يتبعهم صبية صغار.. حفاة الاقدام.. قذرين الملابس.. كلما تعب واحد من السحل سلم الحبل لبديل من هؤلاء الاطفال والفتيان.
وعلى مسافة اربعة امتار من الجهة المسحولة.. كان يسير موكب غوغاء بغداد.. واوباشها, واغلقت النساء الشبابيك, وهن يبعدن اطفالهن عن التطلع على هذا المنظر الذي تجمد له الاطراف لهول بشاعته.
واخيرا وصل الموكب امام البوابة الخارجية لمبنى وزارة الدفاع, حيث وقف حشد كبير من الضباط والمراتب من مختلف وحدات بغداد لتقديم التهنئة والتأييد للثورة وللعقيد عبد اللطيف الدراجي الذي احتل وزارة الدفاع.
ولم يتحرك اي من الضباط او الجنود من اماكنهم للتطلع على ذلك المنظر المقزز للميت المقطع الاوصال, بل لبثوا في اماكنهم, وقد ارتفعت ابصارهم وهم يحاولون النظر من بعيد.
وصلت الجثة الممزقة امام وزارة الدفاع حيث يوجد قبالتها مقهى كبير, والى جانب المقهى يقوم بناء قديم من طابقين.. وصعد احدهم متسلقا العمود الكهربائي المجاور للبناء, وعلق حبلا في شرفة الطابق الاول حيث وقفت في تلك الشرفة بعض النسوة والاطفال يتفرجن على الشارع, وادليت الحبال وربطت بها حبال الجثة .. وتصايح الواقفون.. ارفعوها..وبعد لحظات كانت الجثة ترتفع ثانية معلقة في الهواء وقد اندلقت امعاؤها, وتسلق عمود النور شابا يحمل سكينا بيده, وطعن الجثة بالظهر عدة طعنات.. ثم اعمل سكينة في الدبر وراح يقطع اللحم صاعدا الى فوق باتجاه الرأس, ومن الشارع جلبت عصا طويلة بيضاء, ادخلت في الجثة ودفعت بها دفعا, والضباط والمراتب ينظرون اليها دون ان يتحركوا من اماكنهم, رغم ان علامات امتعاض من هذه المناظر الوحشية كانت ترتسم على وجوههم جميعا.
وكانت خاتمة المطاف لجثة الامير عبد الاله ان تناوب عليها الغوغاء والاوباش.. وطافت اجزاؤها معظم شوارع بغداد.. اما ما تبقى منها الى مساء ذلك اليوم.. فقد صبت عليها صفائح البترول, ثم حملت البقايا المحترقة .. والقيت في نهر دجلة .. كما ابتلع نهر دجلة الاطراف التي كانت مبعثرة هنا وهناك في مساء وليل ذلك اليوم ايضا.
وفي صباح اليوم التالي.. كان قصر الرحاب ما يزال ينبعث من شرفاته ونوافذه دخان الحريق, وكانت عمليات نهب ما يحتوي تجري على قدم وساق.. تخرج منه اعداد كبيرة من الجنود والاهالي, وهم يحملون ما استطاعوا جمعه من متاع واثاث.