كوميديا مجلس الحكم العراقي

شبكة البصرة
بثينة الناصري

المشكلة التي تواجهنا نحن ابناء العراق مع مجلس الحكم ربما لا تخطر علي بال احد.
ليست المسألة انه غير شرعي ولا يمثلنا، فالولايات المتحدة بالتأكيد ستجد حلا مضمونا باصدار قرار من الامم المتحدة، وسرعان ما سنري ممثليه يحتلون مقاعد المنظمة الدولية وجامعة الدول العربية، ولن يعدم الممتنعون الآن وسيلة لتبرير الضرورات التي تبيح المحظورات!!
كما انها ليست مشكلة ان اعضاء المجلس كما يبدو ليسوا عراقيين وانما هم اغراب قبلوا ان يطلق عليهم سنة وشيعة واكراد وتركمان واشوريون ، وكل الاوصاف الا وصف (عراقيين)!
كما ليست المشكلة هي الظلم الذي وقع علي الاكراد والمسيحيين حيث لم ينعموا بالتفتيت الذي طال العرب كقومية والاسلام كدين. فلم يفتت الاكراد الي سنة وشيعة، ولم يقسم المسيحيون الي ارثوذكس وكاثوليك وكنيسة شرقية، وهكذا فوتوا علي هؤلاء فرصة ان يتخلصوا من وحدتهم كما حصل مع العرب المسلمين في العراق. ولا اعتراض لدينا ان هؤلاء الاغراب الذين ينتمون الي مذاهب وملل وطوائف، يلقون خطبهم علينا مرتين: مرة باللغة العربية ومرة باللغة الانكليزية وكأنهم يجلسون في الامم المتحدة وليس في العراق حيث اللغة العربية هي اللغة الرئيسية حتي للاكراد والتركمان والاشوريين، فهم ـ علي الاقل ـ يشغلون بذلك وقت الشعب العراقي العاطل عن العمل، وربما يتعلم منهم نطق اللغة الانكليزية (باللكنة الامريكية).
كما ان المشكلة ليست في اسم المجلس الذي ما ان يذكر كاملا حتي يتذكر العراقيون من جيلي والجيل الذي سبقنا، ذلك الصوت الفخيم الذي كان ينطلق من الاذاعة العراقية ابان العهد الملكي في سنواته الاخيرة معلنا عن برنامج العراق.. في انتقال وهو برنامج دعائي كان يعدد انجازات حكومة نوري السعيد، وكان العراقيون حين يستمعون الي اسم البرنامج يرددون بعده بسخرية اي والله.. العراق في انتقال.. من القندرة، الي النعال .
المصيبة الحقيقية ـ يا سادة ـ هي ماذا نفعل بالصور؟
نعم.. الصور.. مرة اخري!!
هناك الآن تسعة رؤساء، رئيس لكل شهر، ربما يسأل السائل: لماذا تسعة اذن وليس 12 حسب عدد اشهر السنة؟
وفي هذا قولان: الأول ان العدد تسعة جاء تيمنا بعيدنا الوطني الجديد 9 نيسان (ابريل) والذي سيسمي في الوثائق الرسمية يوم الاحتلال وعلي وزن يوم الاستقلال الامريكي، وهذه بديهة، فلا يمكن ان يسمي مثلا عيد الثورة ولم نقم بأية ثورة، ولن يسمي يوم التحرير لأن التحالف والامم المتحدة اصروا واتفقوا علي ان هذا احتلال وليس تحريرا .
الثاني: ان يكون تيمنا باشهر الحمل التي تعقبها ولادة، وهذا شيء رمزي واحتماله ليس ببعيد عن الاذهان لا سيما وان من ضمن اعضاء المجلس طبيبة توليد وقد اقرت في حديث لها لقناة فضائية بأنها طالما ساهمت في توليد ملايين النساء العراقيات، فانها سعيدة باختيارها للمساهمة في ميلاد عراق جديد!! وكل املنا الا تنقطع الكهرباء عن الدكتورة عندما يحين موعد الولادة!!
وربما يسأل السائل الفضولي مرة اخري: اذن من سيحكم بقية اشهر السنة؟
طبعا لن يحكم احد لأن السيد بول بريمر سيكون في اجازة الكريسماس واعياد رأس السنة.
ولكن هذا استطراد.
دعونا نرجع الي المصيبة التي حلت علينا.
الآن يجب ان نحتفظ في مكاتبنا بتسع صور لرؤسائنا الميامين. كل شهر نرفع واحدة من الجدار ونعلق اخري، رئيس بعمامة سوداء، رئيس بعمامة بيضاء، رئيس حليق، رئيس بلحية سلفية، رئيس بلحية شيوعية، رئيس بكوفية وعقال، رئيس بملابس كردية، رئيس بقبعة امريكاني وحزام بمسدسين (وهذه صورة حديثة له بعد ان تحول الي السطو المسلح علي البنوك).
هل ادركتم ضخامة هذه المشكلة؟ كم عشرات المئات من هذه الصور يجب ان تطبع وتوزع لتغطي كل المكاتب وغرف الوزارات في الداخل والسفارات والبعثات في الخارج؟
تخيلوا الارتباك الذي يمكن ان يحدث في احدي السفارات العراقية في الخارج مع بداية كل شهر في ظل تأخر الاتصال المباشر مع بغداد، فرئيس البعثة يستدعي الموظف المسؤول عن عهدة الصور ويدور بينهما حوار مثل هذا:
ـ نزل صور رئيس الشهر الماضي وعلق بدلها صور رئيس هذا الشهر.
ـ اي واحد فيهم؟
ـ الم يبعث المركز لنا اسمه؟
ـ تعرف صعوبة الاتصال.
ـ يا اخي تصرف، الم يكن التسلسل حسب الحروف الابجدية؟
ـ معك حق، لا ادري كيف غاب عني ذلك، خلصنا حرف الالف والباء، من عليه الدور؟
ـ الا تحفظ الحروف الابجدية؟ اذهب وانظر من التالي حسب المسلسل، ويهرع الموظف ويقوم بالواجب، وترتفع صور الرئيس الحالي في كل مكاتب السفارة، بعد يومين يصل وفد من مجلس الحكم في بغداد الي السفارة فيصعق لوجود صورة الرئيس الخطأ، وبعد توبيخ وتحقيق عسير يقر الموظف المسؤول عن الصور انه كان يظن ان الابجدية المقصودة ـ بطبيعة الامور ـ هي الانكليزية، وهكذا كان الحرف الثالث هو (س) وليس (ج).
اما اذا كانت الصور قد وصلت الي السفارات بعجالة وبدون ان تنقش الاسماء تحتها، فلك ان تتصور (الدربكة) التي يمكن ان تحدث وقد يدور حوار مثل هذا :
ـ من رئيس هذا الشهر؟
ـ فلان الفلاني.
ـ ولكن اي من الصور صورته؟
ـ الا تعرفه؟
ـ لا اعرفه ولم اره طوال حياتي.
ـ ابحث عن صورة صاحبها تجاوز الثمانين من العمر.
ـ ولكن الصور التي عندي كلها قديمة ابيض واسود ولشباب في سن العشرين!!

والمشكلة لا تنتهي عند هذا الحد من الحيرة والارتباك، هناك ابعاد اخري، تخيلوا طلاب المدارس الابتدائية، عليهم ان يحفظوا تسعة اسماء بدون خطأ او غلط، وان يقرنوا كل رئيس بالشهر المخصص له حتي يستقر في وجدانهم ان هذا الشهر هو شهر الرئيس فلان، ليستطيعوا ان يهتفوا في تحية العلم (بالروح.. بالدم نفديك يا فلان) تصوروا ماذا يمكن ان يكون موقف مدير المدرسة لو اخطأ الطلاب اثناء زيارة مسؤول كبير للمدرسة في شهر من الشهور فهتفوا باسم الرئيس الخطأ!
كما تصوروا حيرتهم يوم الاحتفال بيوم الاحتلال، هل سيكون عليهم ان يحيوا اسماء الرؤساء التسعة؟ ام اسم الرئيس الذي يواكب شهره هذه الذكري المجيدة؟ وذلك طبعا بعد الانتهاء من انشادهم النشيد الوطني:
ما اروعك.. ما اعظمك.. يا يوم الاحتلال!!
الذي كتب كلماته الشاعر دونالد رامسفيلد، ولحنه وغناه كورس الحكم الانتقالي (مع الاحتفاظ بحق الملكية الفكرية)