هذه الصفحة ستحدث باستمرار بمقالات تخص الموضوع.

سكت ابن العلقمي مكية دهرا و نطق كفرا !!!!





ما رأيته عند عودتي إلى العراق...
أرض قاحلة وتسرب مبكر لناشطين من حدود إيران

 

كنت قد عدت للتوّ من جنوب العراق. وكانت تلك أول مرة تطأ فيها قدماي ذلك الجزء من بلادي منذ 1966. في تلك الأيام كنت أرافق والدي، عميد كليّة الهندسة في جامعة بغداد، في جولات لدراسة هندسة الجنوب مع مجموعات من طلابه. لكن انقلاباً، بعد سنتين، أدى إلى تسلّم حزب البعث مقاليد السلطة، ومن ثم قيام نظام صدام حسين.

كنت في الوقت عينه فرحاً للعودة ومكسور الخاطر لما رأيته بعد سقوط الطاغية. ما عهدته مشهداً غنياً خصباً أخضر بات امتداداً صحراوياً إلى ما لا نهاية. وكان الأطفال يتوسلّونني قنينة ماء أنّما وقفت على امتداد الطريق المخصص لانتقال دبابات صدام أثناء الحرب الإيرانية العراقية. لقد اضطهد صدام عرب الأهوار، قاطني الجنوب، من دون ورع بانياً السدود ضدّ التيار وموجّهاً الصرف الصحيّ باتجاهه، ما جفّف المنطقة التي يعتبرها إخصائيو العهد القديم جنة عدن. كنت أعرف هذه الأمور نظرياً أثناء غربتي، إلا أنّني لم ألمس الأرض القاحلة التي أنشأها صدام إلا بعد أن شعرت برياح الصحراء الرملية تلفح وجهي.

قصدت العراق الأسبوع الماضي لحضور مؤتمر في أور، قرب الناصرية، لثمانين عراقياً يناقشون الوضع السياسيّ لفترة ما بعد الحرب. وقد ولّد الاجتماع الذي قيل إنّه عقد في مكان مولد النبيّ إبراهيم توافقاً واسعاً لدى المشاركين العراقيين: نحتاج في الأمد القريب إلى القانون والنظام، والمساعدة الإنسانية، وإلى قيام سلطة سياسية عراقية علمانية بشكل عام. إلا أنّ العديد من القرارات الأساسية لتطبيق هذه الأهداف، إن لم نقل معظمها، بقي مؤجلاً بسبب ما تسميه واشنطن "سير العمليات بين الوكالات". ذلك أنّ لكلّ من الوكالات المتنافسة، أي وزارة الخارجية، وكالة الاستخبارات الأميركية، القيادة الوسطى، ووزارة الدفاع الأميركية، تصوّراتها الخاصة لفترة ما بعد الحرب في العراق، وبالتالي ثمة تباين بينها حول هوية العراقيين الواجب دعمهم. وقد أدّت هذه التصورات المتضاربة إلى تعليق توزيع المساعدات وإحلال الأمن كما أفضت إلى ما يهابه كلّ عراقيّ: الفوضى.

لقد سحقت أكبر قوة عسكرية في العالم حكم طاغية مكروه في العراق. عندما وصلت قوات المارينز إلى أبواب بغداد هلّل العراقيون لها. لكن بعد أقلّ من أسبوعين رأوا جيشاً أجنبياً يسيطر بحكم الواقع على بلادهم، ولا يساهم بأي شكل من الأشكال في إعادة بعض الأمن. وثمة قناعة ساذجة سارية في كواليس السلطة في واشنطن اليوم، تقول إن في إمكان الولايات المتحدة، بعد تحريرها العراق، الوقوف جانباً ومراقبة نمو البراعم. ويفترض أن تكون تلك هي الديموقراطية، فيما يجهل العراقيون ما يفعلونه بهذا المفهوم الغريب. وفيما يزداد الارتباك والفوضى مؤديين إلى فراغ في السلطة، يستجمع بعض المجموعات العراقية الأخطر في البلد قواه.

وقد صدمتني خطورة الموقف عندما دخلت العراق الاثنين الماضي. كنت، مع بعض الزملاء من المؤتمر الوطنيّ العراقي، أرافق قافلة ًمن الكويت تحمل المؤن لنحو 700 محارب من قوات العراقيين الأحرار المتمركزة خارج الناصرية والتي يشرف عليها أحمد جلبي من المؤتمر الوطنيّ العراقيّ. وما إن تخطينا الحدود بضع خطوات حتى حاصرتنا مجموعات من الأولاد المتعطشة للماء والطعام. ولم يكن بوسعنا تخطي هذه المجموعات من دون الإصغاء إلى مآسيها. ولم أشعر يوماً بشعور يمزّق أحشائي بهذا القدر. وسرعان ما ألفيت نفسي متجاذباً أطراف الحديث مع ولد صغير، وجب عليّ إقناعه بأنّني مواطن عراقيّ مثله. فأنا غائب عن العراق لفترة تفوق ما في وسعه استيعابه. ووجدت نفسي أخبره عن المدارس التي ارتدتها والعائلة التي أنحدر منها والمؤلفات التي كتبتها. ودلّ أحد رفاقه إلى المؤن العسكرية التي كنا ننقلها مصرّحاً، ملء الفمّ، بمّا يودّ الحصول عليه منها. وكانت المشكلة أن عدم قدرتي على مساعدتهم (ما كان بوسعي إفراغ الشاحنة من المؤن)، جعل الشكّ ينتابهم فتملّكتهم العدائية. فكيف لشخص بلغت فيه القوّة مبلغ إدخال قافلة من المؤن أن يكون عاجزاً عن تأمين المأكل والمشرب؟ تلك هي الصورة التي ينظرون إلى الولايات المتحدة من منظارها.

وصلنا بعد ساعات إلى مخيم قوات العراقيين الأحرار، وهو عبارة عن مخزن قديم يفتقر إلى الماء والكهرباء، يقع بين عدد من الآليات الصدئة المنفجرة. ولعلّ قوات العراقيين الأحرار أبرز الأمثلة على كيفية تسبّب التعثّر في واشنطن بعرقلة الأمن داخل المدن العراقية. كان مرسوم تحرير العراق أمّن المال لتدريب المناضلين لخوض المعركة ضدّ صدام، إلا أنّ مرور سنوات من معارضة وزارة الخارجية الأميركية للفكرة، حال دون حصول هذا التدريب على أرض الواقع حتى أواخر العام الماضي، أي عندما بدأت الإدارة الأميركية تتقرّب من عراقيي المنفى لتنفيذ أوّل عملية تدريب في هنغاريا. وفي حين أمّن مرسوم تحرير العراق تدريب آلاف العراقيين، لم يقصد هنغاريا في نهاية المطاف إلا مئة عراقيّ فقط. وبالتالي بدأ الجلبي إثر عودته إلى العراق في كانون الثاني (يناير) 2003، بتجنيد ميليشيا عراقية هي "العراقيون الأحرار". كان مدركاً وجود الحاجة إليها منذ بداية الحرب. وبسبب الحملة التي شنّتها ضدّه الإدارة والاستخبارات الأميركية، لم تسمح القيادة الأميركية الوسطى، التي تسلّمت قيادة مجنّدي الجلبي، بتوسيع حجم هذه القوة الصغيرة.

وتؤمّن هذه القوات على صغرها، دعماً أساسياً لجهود الولايات المتحدة. ذلك أنّ العراقيين الأصليين يفهمون الثقافة المحلية بشكل أفضل وبوسعهم التواصل بفعالية أكبر مع أترابهم من العراقيين حول كيفية اجتثاث مقاتلي البعث أمثال فدائيي صدام.

وكان العراقيون الأحرار لعبوا دوراً أساسياً في اعتقال أحد مساعدي صدام المهمين، محمد حمزة الزبيدي الذي ساعد في الإشراف على قمع انتفاضة 1991. وبما أنّ الحرب تحولت إلى مجهود كبير تبذله الشرطة تفاقمت الحاجة إلى مساعدة العراقيين للولايات المتحدة. وقد اعترف الجنرال توني فرانكس بهذا الأمر عندما لمس مدى ضعف قواته أمام هجمات الفدائيين في المدن الجنوبية. ولم تنقل طائرات الولايات المتحدة 700 من العراقيين الأحرار من المؤتمر الوطني العراقيّ من قاعدة لهذا الأخير في صلاح الدين، إلا بعد أن طلب الجنرال فرانكس المساعدة في الرابع من نيسان (إبريل).

وكانت التقارير الصحافية حول النقل الجويّ قد لمّحت إلى إرسال وزارة الدفاع (البنتاغون) "دميتها المفضلة" الجلبي إلى جنوب العراق لتنصيبه خلفاً لصدام، إلا أنّ قرار إرسال العراقيين الأحرار كان قراراً عسكرياً اتخذه الجنرال فرانكس. وعندما حدّد هذا الأخير حاجته العسكرية كان المؤتمر الوطنيّ العراقيّ وحده مستعداً لتزويده بالمقاتلين. ويعكس وضع العراقيين الأحرار واقع تجنيدهم المفاجئ: عدد الذين تلقّوا تدريباً عسكرياً منهم لا يتجاوز النصف، ولم يكن هؤلاء مجهزين تمام التجهيز، وإذا قدّر لهذه القوة رسم الوقائع السياسية ميدانيًا، فهي ليست بموقع قويّ للقيام بذلك في الوقت الحاليّ على الأقلّ.

إلا أنّ العراقيين الأحرار أبرز مثال عمّا يجب القيام به على نطاق أوسع. ولا نشهد حالياً أي سبيل لتأمين الأمن والنظام في المدن العراقية بما أنّ ذلك خطوة بناءة لإحلال الديموقراطية في العراق وإن كانت صغيرة. وكانت القيادة الأميركية الوسطى قد أكّدت مراراً أن متطلبات القتال المستمرّ تفوق أيّ مهمة قد تتسلمها الشرطة. ونتيجة لذلك تفشت عمليات السلب والنهب أمام أعين المقاتلين الأميركيين وانتشر الارتباك بين العراقيين التواقين إلى إحلال النظام، والذين لا يفهمون عجز قوات أميركية مسلّحة حتى أضراسها عن توفير الأمن.

وواكب غياب السلطة المدنية هذا خطأ جسيم ارتكبته القيادة الأميركية الوسطى: سمحت بإبقاء حدود العراق الشمالية مفتوحة. وبفعل هذا الأمر نقل العديد من الأشخاص بالشاحنات من إيران إليه في الأسابيع الأخيرة لدعم رجال الدين الشيعة الذين سارعوا لملء فراغ السلطة، جامعين العراقيين المحبطين حولهم. وهكذا حصدت مجموعات مسلمة متطرفة دعماً محلياً يتخطّى نفوذ المجموعة الأصولية العريقة، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. ولو كانت القوات الأميركية أغلقت، بمؤازرة العراقيين، الحدود الشرقية وأحكمت السيطرة على أمن بغداد والمدن الجنوبية، وساعدت على إحلال الأمن والنظام لكانت تفادت هذا الأمر. وثمة فرصة سانحة لذلك حتى يومنا هذا: إذا لجأت الولايات المتحدة إلى إغلاق الحدود مع إيران وراقبت مداخل العاصمة بغداد والمدن الأخرى كان بوسعها عكس سيل هذا التدفّق، إلا أنّ الوقت يداهمها. كما كان لغياب السلطة المدنية أثر على القوات الأميركية، إذ لم أصادف إلا عدداً يسيراً من نقاط التفتيش في الجنوب وكان الناس أحراراً في التنقل كما يحلو لهم. لذا بدا الجنود الأميركيون متوترين مصوّبين أسلحتهم تجاه المارة على الدوام، خشية محاولة بعض العراقيين إلحاق الأذى بهم. وتراهم يصابون بنوبات غضب من حين لآخر نظراً لوجودهم في بلد غير مألوف، لا يتقنون لغته، لا سيّما أنّهم غير مجهّزين بما فيه الكفاية، لتمييز الصديق من العدو، وقد تملّكهم رعب التحوّل إلى أهداف حية.

وأدهشني خلال اجتماعي بكبار المسؤولين الإداريين في واشنطن عشية الحرب، غياب التخطيط الفادح لفترة ما بعد الحرب. فقد تمّ إنشاء مكتب لإعادة الأعمار والمساعدات الإنسانية في كانون الثاني (يناير) ولم ينتقل إلى المنطقة إلا بعد بداية تبادل النيران، فلم يصل الجنرال جاي غارنر وفريقه إلى المنطقة إلا إبّان تحرير قوات التحالف المدن والقرى في الجنوب، وتلك مناطق باتوا اليوم مسؤولين عنها. ولم تتضح معالم فريق الجنرال غارنر والعناصر المؤلف منه، إلا في هذا الشهر وذلك بسبب الأزمة الناشة بين وكالات وزارة الدفاع والاستخبارات المركزية (سي. آي .إيه) ووزارة الدفاع الأميركية.

قبل بضعة أيام من مغادرتي العراق، كنت قرأت مقالاً في "نيويورك تايمز" ينقل كلاماً صدر على لسان أحد المسؤولين الرفيعي المستوى في وزارة الدفاع الأميركية، لم يفصح عن هويته، حول سياسة ما بعد الحرب، ويلخّص هذا الكلام موقف الإدارة الأميركية من مشروع إعادة إعمار العراق: "سيكون الجسم العسكريّ في مكانه منذ اليوم الأول، وستقع الأجزاء الأخرى في مكانها لاحقاً".

ولم تتخلّف الأجزاء الأخرى كافةً عن الوقوع فحسب، بل إنّ ثمة غموضاً حول كيفية وقوعها ومكانه. كما يبقى على مختلف وكالات المساعدة الإنسانية الشروع في عملياتها خارج إطار المناطق الجنوبية المعدودة لأنّ القيادة المركزية لا تعتقد بأنّ غالبية البلاد باتت آمنة بما فيه الكفاية بحيث يمكن البدء بتوزيع الطعام والمياه والأدوية. ورغم أنّ غارنر زار بغداد وشمال العراق هذا الأسبوع إلا أن مكتب إعادة الاعمار والمساعدات الإنسانية ما زال يعمل انطلاقاً من الكويت. ومع كلّ الارتباك الذي يحيط بمسألة إحلال الاستقرار في العراق، تسمح القوات العسكرية في بعض المناطق مثل النجف وكربلاء مثلاً، باختيار المجالس المحلية للمحافظة على الأمن، إلا أنّها لا تنسّق في الوقت عينه مع هذه المجالس للتأكّد من عدم تحوّل قوات الشرطة مجرّد أدوات بيد رجال الدين أو أيّ من القادة المحليين الآخرين. وإذا لم تتخذ القوات العسكرية موقفاً أكثر فعالية للسماح لليبراليين العراقيين بالسيطرة على الوضع الأمنيّ، سيدور الوضع في حلقة مفرغة، بحيث لا نشهد استئناف الخدمات الاجتماعية الأساسية، ما يدفع بالعراقيين الجائعين والمحبطين إلى العنف وينجم عن ذلك المزيد من زعزعة الأمن وعرقلة جهود المساعدات. ويكمن الحلّ للخروج من هذه الدوامة في الاتجاه بسرعة نحو تسوية سياسية مرحلية يتسلّم فيها العراقيون مقاليد السلطة في بلادهم، موفّرين الأمن والقانون منسّقين مع قوات التحالف في مجال المساعدات وإعادة الاعمار. والحاجة إلى هذا النوع من التسويات هو الذي حدا بي إلى أن أقصد مكان ولادة النبيّ ابراهيم.

أعترف أنّ الشكوك ساورتني بشأن المؤتمر. شعرت أولاً بأنّه كان يجب أن يعقد منذ أسابيع وفور تحرير الناصرية. وكانت لوزارة الدفاع الأميركية والقيادة الوسطى الأميركية ومكتب إعادة الإعمار والمساعدات وجهة نظرها الخاصة بشأن مكان انعقاد المؤتمر وهيكليته والمدعوين إلى حضوره، ما أخّره الى ما بعد سقوط بغداد. حسناً إذاً سننقل المؤتمر إلى بغداد للرمزيّة. لكنّ الحديث عن الناصرية كموقع للمؤتمر كان متداولاً لفترة طويلة، لذا تمّ اختيار الناصرية. الأسوأ من ذلك أنّ القوات العسكرية أرادت استخدام قاعدة تليل الجويّة لاستضافة المؤتمر، ما كان ليعكس صورةً سيئة عنّا جميعنا وكأنّنا خدم الأميركيين. ولحسن حظنا أنّ أحدنا فكّر بشكل أفضل فانتقل المؤتمر إلى أور، وتمّ نصب خيمة كبيرة داخل المدينة القديمة، قرب الأهرام المتدرّجة ذلك الموقع الأثريّ العريق.

ولم يكن موقع المؤتمر موضوع النزاع الضروس الوحيد، بل شملت النزاعات مسألة حضور القادة القبليين "الداخليين" الذين تعتبرهم وكالة الاستخبارات الأميركية والادارة الاميركية من العراقيين الأصليين الذين لم يغادروا البلاد أثناء حكم صدام، أو قادة المجموعات المختلفة في المنفى المشوهة سمعتهم. وينبغي التعامل مع هؤلاء القادة القبليين في نهاية المطاف، فوجودهم واقع، إلا أنّهم يفتقرون إلى عمق القاعدة التاريخية التي يبحث عنها البعض في الإدارة. وصدام هو الذي أحضرهم إلى السلطة في السنوات الأخيرة ما جعلهم أكثر قوةً في التسعينات مما كانوا عليه يوماً في التاريخ العراقي، إلا أنّ ذلك حطّ في الوقت عينه من شأنهم لدى العديد من العراقيين. ولكنّ واقع دعم الاستخبارات الأميركية العديد من القادة القبليين كأشخاص يتمتّعون بشرعية أكبر من أولئك الموجودين في الخارج مسألة لا يودّ الأميركيون مواجهتها. ففي شهر شباط (فبراير) مثلاً انتخبت مجموعات المعارضة المختلفة لجنةً تتضمّن ستة قادة، وتضمّ الجلبي، ووزير الخارجية الأسبق عدنان الباجه جي، وأياد عالوي من الميثاق الوطنيّ العراقيّ، ومحمد باقر الحكيم من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وجلال طالباني من الاتحاد الوطني الكردستاني ومسعود بارزاني من الحزب الكردستاني الديموقراطيّ. وكان جمع شمل أقطاب المعارضة إنجازاً بحدّ ذاته. فقد أبلغتنا الولايات المتحدة منذ سنة تقريباً ضرورة اتحادنا لتأدية دور في فترة ما بعد الحرب ونفّذنا هذا الأمر. إلا أنّ بعض العناصر في الإدارة الأميركية اختار عدم التعامل مع هذا الواقع عشية الحرب، متجاهلاً وجود اللجنة.

واجتمع قرابة ثمانين عراقياً في أور صباح الثلثاء. وقد حال تأخّر وصول العديد من وفود التحالف دون بدئنا بجدول الأعمال، فتمّ ترفيهنا ببعض الطعام الذي أحضر من الكويت. وألقت وفود التحالف خطباً افتتاحية قبل بدء الاجتماع ثم انتقلنا إلى كلمة حاتم مخلص من تكريت تليه كلمتي. ومخلص عضو في الحركة الوطنية العراقية، وهي مجموعة تتضمن في أغلبيتها ضباطاً سابقين في نظام صدام حسين وهو من المحببين لدى الإدارة الأميركية.

ما إن بدأ الاجتماع حتى بدت بوضوح معالم تدعو إلى التفاؤل، إذ لم يظهر أيّ شرخ على الإطلاق بين من يُدعون بقادة الداخل وقادة المنفى. وكان عدم التكافؤ بين هاتين المجموعتين من العراقيين مسألةً أكيدة لدى وزارة الخارجية والاستخبارات المركزية الأميركية وقد أثلج انهيار هذا التنبؤ صدرنا. لا شكّ في أنّ هذه المشكلة قد تطرح مستقبلاً إلا أنّني مقتنع بضرورة إدراك كلّ منا، ممّن قضى فترة طويلة في الخارج، وجوب تأديتنا أدواراً مهمة، ولكن مؤقتة في السياسة العراقية على صعيد الحياة العامة على الأقل. فقد عشنا نحن المنفيين حياتنا خارج العراق واكتسبنا خبرةً في الديموقراطيات واستطعنا التعمّق في واقع انهيار الحياة السياسية في العراق، ويحتّم علينا الواجب مشاركة ما اختبرناه ووجهات نظرنا في الموضوع حول طاولة الحوار. ولكن يجب أن نقوم بذلك بتواضع وفي الأمد القصير مع إدراكنا وجوب اكتساب أولئك الذين عاشوا في العراق الخبرة الضرورية للبروز سياسياً.

وقد اتفقنا جميعاً على أنّ المحافظة على الأمن والقانون عبر سلطة انتقالية مؤلفة من العراقيين فحسب من أبرز الأولويات. ولم يخرق توافق الآراء هذا عند تصويتنا على مسألة متنازع عليها بشكل أكبر: الحاجة إلى اجتثاث البعث والمسار الذي ينبغي أن تتخذه هذه العملية. وقد تقدّمت ببرنامج لاجتثاث البعث قائم على عملية قانونية أشبه بلجنة للتصارح والتصالح، يتمّ فيها تقييم درجات التواطؤ مع الحكم الإجرامي ومعالجة الموضوع وفق ذلك. وقد اعتمد هذا الاقتراح مع اعتراض شخصين: مخلص ونوري بدران من الميثاق الوطني العراقي أحد المحبّبين لدى الاستخبارات المركزية الأميركية. ولا شكّ في أنّ موافقة شيوخ القبائل والعراقيين اللندنيين على اجتثاث البعث كان نصراً بارزاً. سبب آخر للتفاؤل تمثّل بغارنر فرغم استضافته للاجتماع إلا أنّه ارتأى عدم التكلّم حتى أنهينا نحن العراقيين حوارنا. وعندما خاطبنا في نهاية المطاف، تكلّم من دون الاحتكام إلى ملاحظات دوّنها، وأبلغنا مباشرةً وبصراحة تامة رغبته في تأديتنا دوراً فعالاً في إعادة بناء العراق معيداً التأكيد على التزامه المغادرة عند انتفاء حاجتنا إلى مساعدته. "إنّه يعني ما قاله حقاً" قال لي أحد رجال الأعمال من الموصل بعد نهاية الاجتماع "هذا الرجل صادق كلّ الصدق".

إنّه حقاً كذلك لكنّه ليس إلا حلقة واحدة من عملية اتخاذ قرار معقّدة يشوبها الخمول، وعلى واشنطن إذا أرادت أن تضمن الديموقراطية العراقية وأمن الولايات المتحدة أن تتوقّف حالاً عن تأجيل اتخاذ القرارات الصعبة بشأن السلطة العراقية السياسية. والخيار الصعب الذي ينبغي أن تحسم بشأنه الولايات المتحدة يقع بين الفعالية والتمثيليّة. فإذا شاءت فعلاً إحلال سلام عادل في العراق يمهّد لدستور ليبراليّ وقيام انتخابات، عليها السماح بقيام قيادة عراقية ليبرالية، والبقاء معنيةً بالعراق (بدلاً من إخراج قواتها منه)، إغلاق الحدود مع إيران، ودعم مجموعة من العراقيين من القادة الداخليين أو أولئك في المنفى على حدّ سواء بوسعهم تأدية مهام الشرطة وملء الفراغ الأمني الموجود حالياً والذي يفيد مصلحة الإسلاميين. وإذا ما فضّلت التمثيلي الآنيّ - السماح للعراقيين جميعًا، مهما كانوا غير ليبراليين وعاجزين، بالحصول على دور في السياسة سريعًا- إذا ما خفّفت من تواجدها العسكريّ، إذا لم تعمل على تعزيز الأمن والقانون، ستغرق البلاد في فوضى تولّد أسوأ أنواع السياسات القمعية. لم أعد إلى الوطن لهذا السبب. الحياة     2003/05/05

* كاتب عراقي.