مجلس (الوافدين) مع قوات الاحتلال هل يضع الدستورالجديد؟!
هؤلاء يحكمون عراق ما بعد صدام حسين!!

شبكة البصره
أحمد بديوي

في استطلاع للرأي أجرته هيئة مستقلة (مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية) في العراق بين عينة كبيرة من سكان المدن الأكثر انخراطا في السياسة، عبر أكثر من 80 % عن عدم ثقتهم في الأحزاب القائمة، أو تلك المنشأة حديثا، فيما طالب مايزيد علي ال 90 % من عينة الاستطلاع بحاكم مستقل.
هذه النتيجة تشكل إجابة صريحة لقطاع من الشعب العراقي، إذا ما سئل عن رأيه بعد مرور شهر تقريبا علي تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، الذي اختارته الإدارة المدنية لقوات الغزو ليلعب أكثر من دور، تصب جميعها في جعبة الاحتلال.
التركيبة الطائفية العرقية، والتعيين بدلا من الانتخاب، وهامشية العناصر الممثلة للتيارات السياسية العراقية، لم تكن هي المأخذ الوحيد علي المجلس، فثمة تخوف من معظم العناصر التي نصبتها الادارة الامريكية في عضويته، إذا ما تم الربط بين الدور الذي مهدوا من خلاله للعدوان، باعتباره مقدمة لما هو قادم من إضفاء للشرعية علي قوات الاحتلال، وهو الامر الذي بدأ مبكرا عندما وجه المجلس في اليوم الثاني من تشكيله الشكر للادارتين الامريكية والبريطانية جراء اسقاطهما نظام الرئيس السابق صدام حسين، ولا غرابة في ذلك حيث إن هذه العناصر تربت في كنف مكاتب المخابرات الغربية، في حين ان من شذ منهم عن ذلك طالته اتهامات أخري لا تقل خطورة.
يدفع عناصر المجلس ممن كانوا محسوبين في السابق علي المعارضة الثمن كاملا لقوات الغزو التي مكنتهم من العراق فضلا عن دعمها لهم اعلاميا وسياسيا.
صفحات التاريخ تقول: إذا كان من متهم يتقدم الصفوف في هذا المجلس فهو أحمد الجلبي الذي تربي في كنف مخابرات وزارة الدفاع الأمريكية، منذ خرج من العراق قبل 45 عاما، وهو الذي وصفته رابطة الدفاع اليهودي التي تعد من اقدم المنظمات الصهيونية، بأنه من صناع الحرية.
الجلبي تعهد في مناسبات عدة برد الجميل لليهود (مد جسور العلاقات مع الكيان الصهيوني ورعاية يهود العراق والسماح لهم بالهجرة الي اسرائيل، دون ان يؤثر ذلك علي احتفاظهم بالجنسيتين).
خرج أحمد الجلبي من العراق وعمره 14 سنة، ولم يدخل البلاد الا مع قوات الاحتلال..أوعز للاسرة الملكية الاردنية في الثمانينيات بعلاقة والده السابقة مع الملكيين في العراق، وهو ما مهد امامه الطريق ليصبح من بين كبار المصرفيين ( مدير بنك البتراء ) لكن سرعان ما استغل جنسيته الامريكية في اختلاس مبالغ بالملايين اسهمت في افلاس البنك، وهروبه من حكم غيابي بالسجن عشرين عاما.. ومنذ التسعينيات وحتي الان، ارتبط بعلاقات تجارية مع اقطاب الادارة الامريكية الحاليين، وقد دعمته ادارة بوش الاب في تأسيس ما اصطلح ب 'المؤتمر الوطني العراقي' 1991 الذي ضم مجموعة من الافراد والتنظيمات الموالية للادارة الامريكية التي غضت عنه الطرف بعد سقوط بغداد، فاستولي ورجاله (العراقيون الاحرار) الذين دربتهم المخابرات الامريكية في دول اوربا الشرقية علي عدد كبير من البنوك والممتلكات العراقية.
هل من الممكن ان تغيب صورة الممرضة سلمي حنا يونان عن ذاكرة اياد علاوي مؤسس ( الوفاق الوطني) الذي شهدت حركته هذا الاسبوع انشقاقا، عندما تقدم عدد من قيادات مكتبها السياسي باستقالات جماعية، اعتراضا علي استمرار مواءمة الحركة مع قوات الاحتلال؟! .. وسلمي المذكورة كانت بطلة الفضيحة الكبري التي غيرت مجري حياة علاوي، بعدما حكم القضاء العراقي باغتصابه لها بداية السبعينيات، وهروبا من الحكم، سافر الي بيروت وعدد من الدول الاوربية، وقع خلالها في براثن المخابرات الاسرائيلية، وكان قد سبقها بمد جسور مع المخابرات الايرانية.. إلي ذلك فقد نال نصيبه من الغنائم العراقية بعد عودته، اذ استولي علي مساكن خاصة بمواطنين عراقيين، زاعما انهم من اتباع النظام السابق، واقتسم مع الجلبي الاموال المنهوبة من البنوك العراقية.
وبرغم انه رجل دين، الا انه كان ساخطا علي كل الانظمة التي تولت حكم العراق بعد العصر الملكي.. جاء ذلك نتيجة اعدام بعض افراد اسرة محمد بحر العلوم (81 عاما) في عهد نظامي عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، في اطار الصراعات السياسية التي شهدتها تلك الفترة، وقد عبر عن ذلك حينما هرب الي خارج البلاد عام 1991ناسجا علاقات وثيقة مع مراكز صنع القرار في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، حتي انه كان سببا في استبدال جاي جارنر الحاكم العسكري الذي عينته الادارة المدنية، وإحلال صديقه القديم بول بريمرمحله في الادارة المدنية، في حين كان وزير الخارجية البريطاني جاك سترو من بين المزكين لوجود بحر العلوم في المجلس الانتقالي للعلاقة القديمة بينهما.. وقد دخل في شراكة مالية مع بعض الشركات الغربية، مما رفع ثروته الي نصف مليار دولار تقريبا.
فصل آخر سجله هروب ابراهيم الجعفري (الشيعي) الرئيس الحالي لمجلس الحكم الي خارج البلاد عام 1980 حين بدت نذر الحرب العراقية الايرانية تلوح في الاجواء، بعد اتهامه بالموالاة للجانب الايراني.. وزادت الفجوة بينه وبين النظام السابق بعد حظر حزب الدعوة الذي يعد أحد قياداته.. فما كان منه الا أن اتحد مع عدد من عناصر شيعية محسوبة علي ايران والتي شكلت بداية الثمانينيات المجلس الاعلي للثورة الاسلامية ،الا ان حزب الدعوة انفصل عنه فيما بعد.
لم تكن مصادفة ان يتم اول لقاء خارجي لاعضاء من مجلس الحكم مع اسرائيليين.. هذا ماحدث في اللقاء الذي جمع عدنان الباجه جي مع شيمون بيريز سفاح قانا الرئيس السابق لوزارة الكيان الصهيوني.. والباجه جي الذي يرأس (تجمع الديمقراطيين المستقلين) سبق أن تولي حقيبة الخارجية العراقية في فترة حكم عبد السلام عارف، ولخلافات حول السلطة غادر البلاد عام 1970مستقرا في الغرب وخلال تلك المدة ربطته صداقات مع تجمعات عربية معارضة، فيما توطدت علاقته بشيمون بيريز بدرجة جعلته من اقرب اصدقائه.
نصير كامل الجادرجي أحد ممثلي السنة (الحزب الديمقراطي الوطني) في المجلس وهو تركي الاصل، انتماؤه للحزب الشيوعي ادخله السجن عام 1963، وقد جمع بعد خروجه من المعتقل بين المحاماة والاعمال التجارية مديرا مفوضا لشركة البيرة العراقية وقد ساعده شقيقه يقظان في عمليات استيراد الخمور ابان فترة السبعينيات التي ازدهرت فيها تجارتهم. المتابعون لمسيرته السياسية يرون كيف ظل الجادرجي محافظا علي ولائه للحزب الشيوعي العراقي حتي سقوط الاتحاد السوفيتي، عندها تحول مرة اخري ليعيد احياء الحزب الديمقراطي الوطني الذي اسسه والده كامل الجادرجي منتصف الاربعينيات، وقد شاركه في ذلك بعض من اصدقائه الشيوعيين الباحثين عن الاضواء.
ظلت منتمية لحزب البعث حتي سقوط بغداد في التاسع من ابريل الماضي، انها عقيلة الهاشمي، إحدي ممثلي الشيعة في مجلس الحكم ، عملت لصالح النظام السابق دبلوماسية في وزارة الخارجية.. وبمجرد دخول القوات الامريكية لعاصمة الرشيد تحولت بدرجة تفوق ما يحدث في الروايات، ولًم لا وهي المطلعة علي ما حملته بطون القصص العالمية كونها حاصلة علي درجة الدكتوراة في الادب الفرنسي، ولم تكن المسألة مجرد تحول وقتي فعديد من الارهاصات السابقة كانت توحي بذلك، ألم تش بصديقها نافع التكريتي مدير المخابرات العراقية مما أدي به الي الاعدام؟!
واذا كان هذا حال بعض الافراد الذين يتشكل منهم مجلس الحكم العراقي، فان حال التنظيمات الممثلة فيه لايقل شأنا من التنكر لوحدة البلاد كما في الحالة الكردية فبرغم التناحر بين ( مسعود البرزاني الديمقراطي الكردستاني وجلال طالباني الاتحاد الوطني) علي تمثيل الأكراد امام المجتمع الدولي، فان كلا الحزبين يعمل بشتي الطرق علي الانفصال عن الكيان العراقي الكبير، وهو الحلم القديم الهادف الي بعث دولة كردستان من الموت، فمنذ الاربعينيات وقادة الاكراد يتحالفون شرقا وغربا من اجل هذا الهدف الذي قاده في البداية الاب الروحي للحركة الكردية العراقية مصطفي البرزاني، حيث دخل في نزاعات متتالية مع الانظمة التي تعاقبت علي حكم العراق، والمفارقة التي تروي في هذا الاطار ان عبد الكريم قاسم اصدر بعد قيام الثورة العراقية في 14 يوليو عفوا عاما عن كل المعارضين العراقيين في الخارج وعندما عاد مصطفي البرزاني، اسكنه قاسم في بيت نوري السعيد رئيس الوزراء في العهد الملكي وهو الموقف الذي قال فيه البرزاني في خطاب جماهيري 'انا خادم صغير لحذاء عبد الكريم قاسم لكرمه وعفوه، واني الجندي الامين له'، بعدها بشهر واحد قاد البرزاني حركة تمرد ضد قاسم بدعم مباشر من ايران.
مواقفهما تجسيد للفلسفة الامريكية التي تقوم علي الاستفادة الذاتية حتي الدرجة الاخيرة، انهما الشقيقان محمد باقر وعبد العزيز الحكيم، اللذان اعتادا تقسيم الادوار فيما بينهما، ففي الوقت الذي حرص فيه فصيلهما (المجلس الاعلي للثورة الاسلامية) الاقرب اتجاها الي ايران بين التنظيمات الشيعية العراقية علي المشاركة في لقاءات المعارضة التي رعتها الولايات المتحدة خارج العراق، علي الجانب الاخر حاول الشقيقان (الحكيم) الوقوف في الجانب المعارض لقوات الغزو، وقد ظهرت هذه (البراجماتية) في مشاركة محسن الحكيم في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن منتصف ديسمبر الماضي اما محمد باقر الحكيم فظل في ايران التي اتخذ منها منفي طوال 23عاما وبالرغم من التصعيد الذي ابداه الحكيم بعد عودته من ايران في ابريل الماضي الا انه كان من اول الحريصين علي مقاعد لتنظيمه في المجلس.
عناصر المجلس سوقوا لوسائل الاعلام أنهم قاتلوا حتي لايكون مجلسهم استشاريا، وها هو عدنان الباجه جي يصرح لفضائية الجزيرة بأنهم يملكون سلطات ومسئوليات تشريعية وتنفيذية، مما يعني تعيين الوزراء، والنظر في الميزانية،وتفعيل قوات الشرطة،واعادة تنظيم الجيش،واعادة هيكلة الجهازين القضائي والتعليمي، ناهيك عن دوره في العلاقات الخارجية للعراق مع المجتمع الدولي.. لكن الباجه جي تناسي عن عمد أزمة الشرعية التي يعانيها المجلس محليا، واقليميا، ودوليا وهوما أظهرته مواقف متتابعة، ففي الداخل لا تزال النظرة المستهجنة لتشكيل المجلس علي سخونتها، بداية من اعلان لجنة علماء الدين السنة انه 'مجلس مسخ' ووصمه مقتدي الصدر الزعيم الشيعي ذو النفوذ الجماهيري أنه 'غير شرعي'. أما الامم المتحدة فقد تعتبرت من اوفدهم المجلس للمطالبة بمقعد العراق في الجمعية العمومية، مجرد عراقيين عاديين لا يحق لهم تمثيله رسميا، وهو ذات الرد الذي تكاد تكون جامعة الدول العربية قد انتهت إليه، فمداولات لجنة المتابعة العربية قالت انه ليس مطلوبا الاعتراف بمجلس شكًل في ظروف لا تضمن له الشرعية الكاملة'، بما يعني اعترافا دوليا بأن المجلس وليد قوة احتلال، حتي مع ما تضمنه القرار 1483 الصادر عن مجلس الامن في 22مارس الماضي بضرورة تشكيل ادارة انتقالية، ذلك ان ما نصت عليه بنود القرار يختلف عن سياسة الامر الواقع التي فرضتها الادارة المدنية بتشكيل المجلس الحالي فلم يأت المجلس بارادة الشعب التي يفترض أن تكون مستقلة عن سلطة الاحتلال وحتي عن سلطة الممثل الخاص للامم المتحدة.
وقد شهدت الايام القليلة الماضية ما قد يوصف بأنه تغير لافت في مواقف بعض دول الجوارفيما يخص مجلس الحكم، حيث ارسلت ايران وفدا من مسئوليها الحكوميين إلي بغداد لاجراء محادثات مع أعضائه، مبديا استعداد طهران للتعاون والمساعدة في إعادة إعمارالعراق. علي الجانب الاخر، اعلن علي ابو الراغب رئيس الوزراء الاردني ان وجود القوات الامريكية في العراق يعد ضمانا لعدم قيام حرب أهلية .. واذا ما ارجعنا التصريحات الاردنية للمؤتمر الاقتصادي الذي شهدته العاصمة عمان في نفس التوقيت، تحت رعاية غرفة التجارة الامريكية العراقية، والذي ناقش علي مدار يومين الاستثمار في اعمار العراق، وتوصياته التي اعلنت ان الفرصه الاكبر بين دول المنطقة العربية سوف تكون من نصيب الشركات الاردنية.. فإن الخطوة الايرانية تعكس تأثر طهران بسياسة تضييق الخناق التي جمعت الأمريكيين والأوروبيين مؤخرا، حيال البرنامج النووي الايراني وتوجسها من الطريقة الامريكية التي تعتمد دائما في مهاجمة اعدائها علي حلفاء محليين او من دول الجوار، والاتهامات الموجهة لاوضاع حقوق الانسان، فضلا عن التوترات الداخلية، التي ترجمتها الاتهامات العنيفة التي وجهها حسين الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الاسلامية لولاية الفقيه، وتشدد نظام الملالي!!
يفرط من يفرط ويبيع من يبيع لكن تظل هناك حقيقة يعيشها العراق الراهن، فالمعارضة العميلة كانت سببا في استيقاظ الشعب العراقي علي ( وهم ) الحرية الامريكي، واغرقت القوات الغازية في المستنقع العراقي، فيما طموحاتها الضيقة افقدتها المصداقية حتي مع نفسها!!!