الجلبي يفضح المهمات الحقيقية لمجلس الحكم الانتقالي

طالب ببقاء القوات الأمريكية وبإقامة قواعد عسكرية دائمة لها في العراق!!

فرج شلهوب

ثمة حاجة كبيرة لبقاء القوات الامريكية ولفترة طويلة في العراق، وثمة حاجة لوجود قواعد عسكرية امريكية دائمة. هذه الكلمات، هي فحوى الرسالة التي اطلقها من واشنطن رئيس مجلس الحكم الانتقالي العراقي المناوب احمد الجلبي، وليس مهماً تعقيبه أن هذه الاقوال تصدر عنه بصورة شخصية وليس بصفته رئيساً لمجلس الحكم الانتقالي.

اقوال الجلبي التي اطلقها من واشنطن، وعلى هامش القائه كلمة العراق(!!) من على منبر الأمم المتحدة، تحمل العديد من الاشارات، وتفصح عن اشياء كثيرة، من المهم الوقوف امامها ملياً، ومن المهم ايضاً التعرف على نوعية مجلس الحكم الانتقالي الذي يقف على رأسه امثال الجلبي، وأي شيء يرتب هذا المجلس لعراق ما بعد سقوط بغداد!!

بداية، ما يقوله الجلبي، قد يعبر عن وجهة نظره الشخصية، وهذا ليس امراً جديداً فالجلبي صناعة امريكية من الألف الى الياء، ولكن كيف يقبل شركاء الجلبي ممن يزعمون الوطنية والاسلامية ان ينطق رئيسهم بمثل هذه الاقوال، وهو يرأس وفدهم للأمم المتحدة، وعلى هامش خطابه لهذه الأمم، التي لا تزال تتواصل جدالاتها حول ضرورة الانسحاب الامريكي من العراق وتمكين العراقيين من ادارة شؤونهم بأسرع وقت؟!

هل تكون فرنسا والمانيا وروسيا والصين والمكسيك وربما آخرون في مجلس الأمن والأمم المتحدة اكثر حرصاً على حرية العراقيين وادارتهم الذاتية لشؤونهم، من الجلبي وشركائه في مجلس الحكم المعين من الادارة الامريكية؟! أم ان الجلبي وشركاءه ليس لديهم أدنى تحسس من الوجود الامريكي حتى وان وصف هو نفسه بأنه احتلال، خصوصاً وقد سبق لهم الاحتجاج على تسمية الوجود الامريكي احتلالاً، وخطأوا الموافقة الامريكية على التسمية، باعتبار ان ما جرى هو تحرير، يستحق ان يحتفى بذكراه عيداً وطنياً؟!

والسؤال المهم بعد هذا، لماذا يرى الجلبي وباصرار ان ثمة حاجة ملحة لابقاء القوات الامريكية، هل هذا مؤشر على عجز مجلسه الانتقالي عن ادارة البلاد في ظل غياب الوجود العسكري الامريكي؟! وما مغزى الحديث عن فترة طويلة لهذا الوجود، وحسب ما يتم تداوله، فترة تتجاوز العامين؟! ولماذا التصريح من واشنطن وعلى مسمع اجتماعات الأمم المتحدة؟! هل هو انحياز للرؤية الامريكية من طرف يرطن باللهجة العراقية، في مواجهة مطالبات دولية للادارة الامريكية بكف يدها عن العراق والاسراع في نقل الصلاحيات الى أهله؟! وأي مماحكة هذه؟! وأي بيع رخيص للذات هذا الذي يذكرنا ببيع سابق عندما كانت اجتماعات المعارضة العراقية تعقد بتمويل، ليس من الخارجية الامريكية، ولكن من موازنة الـ CIA وبرعاية مباشرة منها؟!

وما حكاية المطالبة بقواعد عسكرية امريكية دائمة، وفي أي سياق سيتلقاها مندوبو عواصم العالم المجتمعون في هيئة الأمم المتحدة. واذا كان مطلب اطالة بقاء القوات الامريكية، اذا احسنا الظن، يمكن ان يبرر بهزال مجلس الحكم وعجزه عن ادارة البلاد، بعيداً عن الوجود العسكري للاحتلال، فما التبرير لطلب اقامة قواعد عسكرية دائمة؟! أم ان الامر لا يعدو كونه استجابة مكشوفة ومقبوضة الثمن، لاعلان قبول رغبة امريكية مصرح بها منذ شهور طويلة، ويتم تكريسها على الارض، عبر تثبيت الوجود العسكري الامريكي الدائم في اربع قواعد عسكرية؛ الاولى في المطار الدولي القريب من بغداد والثانية في طليل قرب الناصرية في الجنوب، والثالثة غرب العراق في مطار الـH1، والرابعة في المنطقة الكردية وتحديداً مطار باشور!!

لقد كشف الجلبي طابق مجلس الحكم الانتقالي، بما صرح به سواء بوصفه رئيساً للمجلس او من خلال صمت اعضاء المجلس الآخرين عن دحض ورفض تصريحاته.

واذا ما تجاوزنا عن كل ذلك، فان التصريحات ذاتها، تشي ان الادارة الامريكية تشعر بالافلاس ازاء حجم المعارضة التي تلقاها سياساتها تجاه العراق في مجلس الأمن، ولهذا فهي تطرب لمثل هذه التصريحات، خصوصاً عندما تأتي من طرف يفترض انه عراقي ويزعم الحرص على مصالح العراقيين.كما ان ثمة رسالة ثانية لا تقل أهمية عما سبق، تتمثل في ان امريكا وان كانت تستشعر أزمة حقيقة في استمرار وجودها العسكري في العراق، الا انها لا تريد ان تخسر تثبيت مواطئ اقدام لها في هذا البلد، على شكل قواعد عسكرية تسمح لها، دون دفع ثمن كبير، مراقبة الوضع في العراق، والاسهام في صياغة سياساته، وفي الوقت ذاته، ايجاد موطئ قدم لاعادة انتاج حضورها ونفوذها وهيمنتها في منطقة استراتيجية، ليس على صعيد النفط فحسب، بل وعلى صعيد احكام الخناق حول وقريباً من خصوم مفترضين للادارة الامريكية على يمين وشمال العراق. وهذا ما يفسر، ولو بصورة جزئية اقتصار مطالبات الجلبي ذاته، على اخلاء القوات الامريكية من المدن العراقية، وتحاشي احتكاكها معا الجمهور، لكن مع ضرورة بقائها خارج هذه المدن ولفترة طويلة واذا أمكن اقامة قواعد عسكرية دائمة كما يرغب ويريد ويصرح.

المسألة، ليست مسألة تصريحات اطلقها الجلبي وهو غائب عن وعيه، او جزء من تعبير عن رؤية شخصية عابرة، انها استراتيجية امريكية، ينفذها الجلبي ومن معه بوعي وضمن خطة مرسومة، حيث تغيب ليس حرية العراق وشعبه بل وحرية الجوار الاقليمي حوله، وفي ظل تثبيت وجود عمالة رخيصة، مستعدة لتأجير كل شيء، بدءاً من الكرامة الشخصية وليس انتهاء بالوطن.

السبيل